مصطفى لبيب عبد الغني

244

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

أكثر الناس مزاولة للمرضى ، ما يلحقه قارىء الكتب مع أدنى مزاولة ، فيكون كما قال الله عز وجل : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ . - الطب فضل نعم من نعم الله جلّ وعزّ ، وباب من أبواب البركة أيضا في مواضع كثيرة . والطبيعة أكبر الأطباء ، ولذلك يستغنى بها عن الطبيب في كثير من الأحوال كما ذكرنا . إلا أنك لا تجد أمة من الأمم ، ولا جيلا من الأجيال إلا وهي تروم أن تستعمل ضروبا من الطب بمقدار مبلغ حلومها وعلومها والغناء والسعة والنعمة عندها . - إن من شأن الناس حب من تعجب الناس من أحاديثهم ، فمن أجل ذلك يحفظون النوادر ، وينسون الدواء . ثم يقولون : تخلص فلان من علة بكذا كذا ؛ وأسهل فلان كذا وكان كذا ؛ وأخذ فلان من كذا فلم يحدث به سوء ؛ وعولج فلان بكيت وكيت فلم ينجع ، ونحو ذلك مما يزهد في استعمال قوانين الطب على حقه وصدقه . - وليس ينبغي أن يترك العمر للسها ، ولا الدائم بالنادر . وقد عنيت بحفظ أمور كثيرة من هذا الباب : فرأيت محموما حمى حادة تعمد لعقه عسل وحبة السوداء ، فمات من يومه بأشد ميتة وأوحشها ؛ وصاحب شوصة يسقى سمنا وعسلا في ابتداء علته فمات أيضا موتا وحيا ، ومن تعرض للتعرق في الشمس بعد الأكل من اللحم والشرب من الشراب ، فأصاب بعضهم هيضة خطيرة ، وبعضهم نفث دم ، وبعضهم جنون ، لكن شأن الناس نسيان مثل هذا ، والتحدث بالنادر المعجب . - من أبلغ الأشياء فيما يحتاج إليه في علاج الأمراض بعد المعرفة الكاملة بالصناعة ، حسن مسائلة العليل ، وأبلغ من ذلك لزوم الطبيب العليل ، وملاحظة أحواله . وذلك أنه ليس كل عليل يحسن أن يعبر عن نفسه . وربما كان بالعلة من